صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
271
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
وقد استعرضنا آنفا نصوص موادعة اليهود ، والتي أعلنت بعض بنودها أن المدينة حرم آمن لا يجوز انتهاكه ، وبذلك ضمنت استقرار الأمن ، ومنعت الحروب الداخلية فيها ، وأصبحت المدينة مركز انطلاق الدعوة ، وعاصمة للدولة الإسلامية الناشئة . يتناول القسم الثاني من الوثيقة أو المعاهدة ، بنود التحالف بين المهاجرين والأنصار ، وبينت الوثيقة في صدرها أطراف التحالف فذكرت « المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم » « 1 » . وجعلت الوثيقة أطراف التعاقد « أمة واحدة من دون الناس » « 2 » . وتعرضت تسع فقرات تالية « 3 » إلى ذكر الكيانات العشائرية . والملاحظ أن المهاجرين اعتبروا كتلة واحدة متميزة في حين نسب الأنصار إلى عشائرهم ، وقد اتضح أن القصد من ذلك إبراز فكرة التكافل الاجتماعي ، دون التناصر في العصبية والظلم . وبهذا فقد حوّل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم التوجهات القبلية إلى ما يحقق الأهداف السامية للدعوة الإسلامية . وبما أن التكافل يحتم على القبيلة أن تعين أفرادها ، وهو أمر كان سائدا في الجاهلية ، فقد أقرته الوثيقة لما فيه من روح تعاون وتضامن وتكافل . وهكذا فقد ورد في أعقاب ذكر المهاجرين والقبائل الأنصارية الأخرى قوله بأنهم : « على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين » « 4 » . وأكدت الوثيقة على مسؤولية المؤمنين الشاملة في التكافل مع كل فرد من أبناء الأمة : « لأن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل » « 5 » . وإلى جانب ذلك ، أكدت الوثيقة على المسؤولية الجماعية ، فقد أصبحت مسؤولية المؤمنين جميعا تحقيق الأمن والاستقرار والعدالة في المدينة : « وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم « 6 » ، أو إثما ، أو عدوانا أو فسادا بين المؤمنين ، وإن أيديهم عليه جميعا ، ولو كان ولد أحدهم » « 7 » . وتبرز في الوثيقة بجلاء روح الإسلام في استعلاء المؤمنين على الكافرين ، وأن دم الكافر لا يكافيء دم المؤمن ، والتأكيد على الترابط الوثيق بين المؤمنين وموالاتهم بعضهم لبعض : « ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ، ولا ينصر كافرا على مؤمن ، وأن ذمة اللّه واحدة ، يجير عليهم أدناهم ، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس » « 8 » .
--> ( 1 ) الفقرة الأولى من الوثيقة - مجموعة الوثائق ، محمد حميد اللّه . ( 2 ) الفقرة ( 2 ) ، المرجع السابق : ( الوثيقة ) . ( 3 ) الفقرات ( 3 - 11 ) من الوثيقة . ( 4 ) الفقرات ( 3 - 11 ) من الوثيقة . ( 5 ) الفقرة ( 12 ) من الوثيقة . ( 6 ) طلب عطية دون وجه حق ، انظر ابن الأثير - النهاية في غريب الحديث والأثر 2 / 117 . ( 7 ) الفقرة ( 13 ) من الوثيقة . ( 8 ) الفقرتان ( 14 - 15 ) من الوثيقة .